محمد أبو زهرة

605

زهرة التفاسير

المطلق ؛ بل يرخص للمريض في بعض ما يحرم على المحرم ، ولذلك فدية سنبينها . و « الهدى » : اسم جنس جمعى ، وهو الذي يفرق بينه وبين مفرده بالتاء أو الياء المشددة ، والمفرد هدية ، والمراد ما يذبح من نحو الشاة والبقر والإبل ، أي ما يذبح من النعم ؛ والمطلوب أيسره ؛ ولذلك قال سبحانه : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ والأيسر هو الشاة ونحوها . واستيسر بمعنى يسر وتيسر ؛ لأن الاستيسار واليسر بمعنى واحد ؛ كاستصعب وصعب بمعنى واحد ؛ ولكن يجب أن يلاحظ أن السين والتاء في استيسر ما زالتا تشيران إلى المعنى الأصلي لهما وهو الطلب ؛ وقوله تعالى : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ على هذا المعنى يكون حثا للمكلف على أن يطلب اليسير السهل الذي يؤدى من غير كلفة ومشقة ، لا العسير الصعب الذي لا يؤدى إلا بمشقة وجهد . وإن ذلك سير على مبدأ الإسلام العام الذي يطالب دائما بالسهل اليسير ، لا بالصعب العسير ؛ ولقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم كما أخبرت عائشة رضي الله عنها : « ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما » « 1 » . ولقد كان صلى اللّه عليه وسلم يحث على طلب الرفيق من الأمور والتكليف ، ويقول في دينه « أوغل فيه برفق » « 2 » ، وينهى عن التشدد وطلب الشاق ، ويقول : « لن يشاد الدين أحد إلا غلبه » « 3 » ، ويقول : « سددوا وقاربوا » « 4 » .

--> ( 1 ) عن عائشة - رضى اللّه عنها - أنّها قالت : « ما خيّر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد النّاس منه ، وما انتقم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لنفسه ، إلا أن تنتهك حرمة اللّه فينتقم للّه بها » . [ متفق عليه ؛ رواه البخاري : المناقب ( 3296 ) ، ومسلم : الفضائل ( 4294 ) ] . ( 2 ) عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق » . [ أخرجه أحمد في مسنده ( 12579 ) ] . ( 3 و 4 ) عن أبي هريرة عن النّبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنّ الدّين يسر ، ولن يشادّ الدّين أحد إلا غلبه ؛ فسدّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشئ من الدّلجة » . [ رواه البخاري : الإيمان - الدين يسر ( 38 ) والنسائي ( 4948 ) ] قلت : يشادّ : يكلف نفسه من العبادة فوق طاقتها . السداد : التوسط في العمل من غير إفراط ولا تفريط . قاربوا : اقتربوا من السداد والصواب في أداء الطاعات . الغدوة : الخروج أول النهار ، والروحة : الخروج آخر النهار ، والدلجة : السير أول الليل ، قيل : سير الليل كله . يعنى : اغتنموا أوقات نشاطكم مع تحرى أفضل الأوقات للعبادة قدر المستطاع .